top of page
د.عبداللطيف الهميم
عالم دين وفيلسوف واقتصادي
الخطابات العامة
إلى من يهمّه الأمر
من المندوب السامي إلى مبعوث الملف
التاريخ : 28/02/2026
العراق بين قرنين وإمبراطوريتين
كيف تتحول الدولة إلى ملف؟
ليست الدولة حقيقةً طبيعية تولد مكتملة، بل هي حدثٌ نادر في التاريخ: لحظة يتطابق فيها الوعي الجماعي مع القدرة على الفعل. فإذا اختلّ هذا التطابق، بقيت الأشكال واستحال الجوهر. تبقى الحدود، وتُرفع الأعلام، وتُكتب الدساتير؛ غير أن الإرادة تنفصل عن قدرتها، فتدخل الدولة طورًا خفيًا من النقص، لا يُعلن سقوطها، بل يؤجل اكتمالها.
الفارق بين الدولة والملف ليس لغويًا، بل وجودي.
الدولة ذاتٌ تُعرّف نفسها.
الملف موضوعٌ يُعرّفه غيره.
الدولة تُخطئ من داخلها، لكنها تظل مصدر قرارها.
أما الملف فيُدار داخل شبكة مصالح لا تنبع منه، حتى وإن بدا مستقلاً في الظاهر.
حين يُدرج كيانٌ سياسي في جداول الآخرين بوصفه “قضية” أو “ساحة” أو “عقدة توازن”، فإن ذلك يعني أن تعريفه لذاته لم يبلغ حدّ الحصانة. الإدراج ليس احتلالاً مباشرًا، بل هو صيغة حديثة للهيمنة: أن تتحول من مركز معنى إلى عنصر وظيفة. أن يُنظر إليك بوصفك ضرورة في معادلة لا تملك مفاتيحها.
في القرن الماضي، كانت الهيمنة صريحة، مؤسسية، معلنة.
أما في هذا القرن، فهي أكثر تجريدًا وأقل ضجيجًا.
لم تعد الوصاية تُعلن، بل تُمارَس عبر مفاهيم تبدو تقنية ومحايدة: الاستقرار، الأمن، إعادة التوازن، إدارة المخاطر. غير أن هذه المفاهيم، حين تُستخدم لتعريف كيانٍ سياسي بأكمله، تُعيد اختزاله إلى وظيفة. والوظيفة، مهما بلغت أهميتها، لا ترقى إلى مرتبة الذات.
غير أن المسألة لا تُحسم بإلقاء العبء على الخارج. فالقوة، بطبيعتها، تبحث عن مجالات نفوذها. السؤال الأعمق يقع في الداخل: لماذا يبقى هذا الكيان قابلاً لأن يُعاد تعريفه؟ لماذا لا يتحول موقعه الجغرافي من عبءٍ استراتيجي إلى رافعة سيادية؟ ولماذا تبقى علاقته بالعالم علاقة احتياج دائم إلى توازن خارجي يعوّض نقصًا داخليًا؟
إن الدولة التي لا تُنتج توازنها من داخلها، تستعير توازنًا من خارجها.
والاستعارة، حين تطول، تتحول إلى اعتماد.
والاعتماد، حين يُطبع في الوعي، يصبح شرط بقاء.
هنا يبدأ التحول الصامت: لا تعود الدولة فاعلًا في التاريخ، بل ميدانًا لفعل الآخرين. تتبدل اللغة دون أن يُنتبه: يُقال “إدارة الملف”، “متابعة الوضع”، “ضبط التوازن”. ومع الزمن، يُصبح وجود المبعوث أو الوسيط أو الراعي أمرًا بديهيًا، كأن السيادة لا تكتمل إلا عبر عينٍ خارجية تراقبها.
السيادة ليست صرخةً عاطفية، ولا قطيعةً مع العالم.
إنها قدرةٌ على تعريف المصلحة دون وصاية، وعلى الدخول في العلاقة الدولية بوصفك ندًا لا موضوعًا.
إنها توازن داخلي يجعل التحالف خيارًا، لا ملاذًا اضطراريًا.
بين قرنين وإمبراطوريتين، يتكرر المشهد لا لأن التاريخ يدور في حلقة مغلقة، بل لأن البنية التي تسمح بتكراره لم تُفكك بعد. ما لم يتحول العقد الاجتماعي إلى مصدرٍ فعلي للشرعية، وما لم تتجذر ثقافة سيادة تجعل القرار الوطني نتاجًا لمؤسسات مستقلة الإرادة، سيظل الخارج حاضرًا بوصفه ضامنًا غير معلن.
الدولة التي لا تُعرّف نفسها، سيُعاد تعريفها.
والدولة التي لا تُنتج معناها، سيُفرض عليها معنى.
غير أن هذا ليس قدرًا محتومًا. فالتاريخ لا يحكم، بل يُمتحَن.
والامتحان الحقيقي ليس في رفض الإمبراطوريات، بل في تجاوز الحاجة إليها.
ليس في الصدام، بل في الاكتمال.
السؤال الذي ينبغي أن يبقى في الوعي ليس: من الأقوى في العالم؟
بل: متى يصبح الداخل قويًا بما يكفي ليُعيد ترتيب علاقته بالعالم من موقع الفاعل؟
فالدولة، في معناها الأعلى، ليست جغرافيا محمية، بل إرادة مكتملة.
وحين تكتمل الإرادة، يتغير موقعها في خرائط الآخرين دون أن ترفع صوتها.
ويبقى السؤال الأخير، الأشد صفاءً والأقل انفعالًا:
هل نريد أن نكون ضرورة في حسابات غيرنا،
أم مرجعية في حسابات أنفسنا؟
الدكتور : عبد اللطيف الهميم
bottom of page